الجنيد البغدادي

70

رسائل الجنيد

عليها بعد أنه سيدنا وهو خير وأبقى وأجل وأعلا من كل شيء في الدارين ؟ قالا : لأن اللّه تعالى خلقنا من نور الآخرة وربّانا بها وجعلنا محتاجين إلى إباحة الجنة ، وكمال سرورها ولذائذ عيشتها وأنواع نعيمها ، بقاؤنا بها ، وفقداننا من فقدانها ولا بد لنا منها . فقلت : ويحكم أما ترون أن الاشتغال بالنعيم يحجب العبد عن المنعم ، والاشتغال بالعطاء يحجب العبد عن المعطى ؟ أما تعتبرون بآدم عليه السلام ، حين اشتغل بالجنة واطمئن قلبه فيها وطمع في خلودها وملكها وتعلق قلبه بها واكتفى من دون اللّه سبحانه وتعالى بها كيف صار محروما متفضحا في جميع الأولين والآخرين ، ويحكم أما تتفكرون في كمال لطفه وشفقته وغاية تودده فيما يدعوكم به إلى نفسه والاستئناس به ، وإلى ما حذركم عن الاشتغال بغيره ؟ فقالوا لي : أيها العبد القاصد إلى مولاه وحبيبه لا تشتغل بطول الكلام فتنقطع عن مقصودك ومطلوبك ، وأنت لا تجد مؤنسا ومحبوبا غيره ، فإن الأمر أعجل من أن تشتغل بالكلام ، ثم إني أقبلت على القلب وقلت : يا قلب أنت ملك البدن وأنت محل الإيقان والأذهان ، ومعدن النظر إلى الملك الديان ، وأنت الذي عظم اللّه شأنك ، ونوّر برهانك وأجل سلطانك ، وقد جعلك اللّه سبحانه وتعالى معدن فكر معرفته ، ومأوى ذهن فطنته ، إنك إن صلحت صلحت الأعضاء كلها ، وإن فسدت فسدت الأعضاء كلها ، واعلم أن اللّه سبحانه وتعالى دعاني إلى نفسه ، وأمرني بالإنابة إليه فأنا قاصد إلى ربى وعازم على أن أقيم معه إلى الأبد ، وأكتفي به عن غيره ، ولا ألتفت إلى من سواه ، فهل أنت تساعدني في ذلك ، وتوافقني عليه ؟ فقال : بالرأس والعين هكذا ينبغي لي ولك أن نتخذه صاحبا وجليسا وكافيا وأنيسا ، ويحك فهل خلقنا إلا لهذا ؟ وهل أمرنا اللّه إلا بهذا ؟ مرحبا بمقصودنا ومحبوبا ومعبودنا وقرة أعيننا مرحبا بقربه وأنسه وصحبته ، فهو الغنى الذي لا يسعنا إلا فضله وجوده ، ومن التفت إلى سواه فمفتقر لمفتقر . فقلت : أحسنت هذا الذي توقعت منك ، أنت رفيقي وصاحبي في هذا الأمر ، ثم قلت : يا قلب أكتب عليك بهذا كتاب العهد وآخذ عليك ميثاق اللّه عز وجل ، وأشهد على ذلك الشهود ؟ قال : شأنك . فكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم : هذا ما أشهد عليه قلبي ، أشهد عليه اللّه وملائكته وأنبيائه ورسوله وعباده الصالحين في هذا